في قلب مجتمعنا ظاهرة خطيرة هذه آثارها

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

في قلب مجتمعنا ظاهرة خطيرة هذه آثارها

مُساهمة من طرف سطوف عبد الباسط في الأربعاء أغسطس 13, 2008 4:30 am

احذروا الفقر
في قلب مجتمعنا ظاهرة خطيرة هذه آثارها


الفقر والكفر متلازمان؛ فمن أقوال السلف: إذا ذهب الفقر إلى بلد قال له الكفر: ''خذني معك''. وقد قرن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما حين استعاذ بالله منهما فقال: ''اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر''. وقد أوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الحاجة والطمع في المال تدفع المرء إلى بيع دينه، كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: ''يبيع أحدهم دينه بعرض من الدنيا قليل''. فالإيمان إذا غاب أحدث اختلالات في كل مجالات الحياة، والفقر أحد أسباب ضعفه أو ذهابه. فكل مفسدة وجريمة تقع في دنيا الناس إنما مرد وقوعها إلى ضعف الإيمان أو غيابه؛ ففي الحديث المتفق عليه: ''لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه أبصارهم فيها حين ينتهبها وهو مؤمن''. وفي رواية للبخاري: ''ولا يقتل وهو مؤمن''. وفي رواية لمسلم: ''ولا يغل أحدكم حين يغل وهو مؤمن، فإياكم إياكم''. فالأخلاق السيئة الوارد ذكرها في الأحاديث السابقة من زنى، وسرقة، وقتل وغلول، وشرب خمر، قد يكون الفقر والحاجة من أشد دوافعها وأكثرها. أما في مجال الأخلاق والسلوك: فإن الفقر سبب رئيسي يقف وراء الرذائل والفواحش، إذ يكون الفقر حال غياب الإيمان أو ضعفه أقوى من مراقبة الله والخوف منه والاستجابة لنداء الضمير، لذا قيل: ''صوت المعدة أقوى من صوت الضمير''. ففي الحديث المتفق عليه عن الثلاثة الذين آواهم المبيت أو ألجأهم المطر إلى الغار، فسقطت صخرة وسدت عليهم باب الغار، فأشار بعضهم على بعض بالتوسل إلى الله بصالح الأعمال لينجوا من الموت والهلكة، فقال أحدهم: ''اللهم كانت لي بنت عم كانت أحب الناس إلي، فأردتها عن نفسها (راودتها) فامتنعت مني، حتى ألمّت بها سنة من السنين فجاءتني؛ فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلّي بيني وبين نفسها ففعلت؛ حتى إذا قدرت عليها قالت: لا أحل لك أن تفضّ الخاتم إلا بحقه. فتحرجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي؛ وتركت الذهب الذي أعطيتها''. فما الذي جعل المرأة العفيفة توافق على أن تخلّي بينها وبين نفسها لابن عمها؟ إنها الحاجة والفقر (ألمّت بها سنة من السنين) وهذا هو الشاهد، ثم ما الذي حفظها وابن عمها من الفاحشة؟ إنه الإيمان وتقوى الله الذي نادت به ابن عمها: (اتق الله). والواقع يتحدث بقصص تدمي القلوب وتحزن النفوس وتعظم العقاب على كل راع ومسؤول لم يؤد حق رعيته، فكم من امرأة شريفة قد ألجأتها الفاقة إلى العمل خارج بيتها فكان من لا يتقي الله في انتظارها، ثم يقال: دعونا الله فلم يستجب لنا!
ومن الأخلاق الذميمة التي حاربها الإسلام وجعلها من الكبائر السرقة والرشوة والغلول، وغيرها، مما تؤكل بها أموال الناس بالباطل وتجعل الكسب حراما. هذه الأخلاق لا تنمو غالبا إلا في حالة الحاجة والفقر وعدم كفاية الدخل في سد الحاجات الأساسية. فذو النزاهة والأمانة إن لم يستطع مقاومة الغلاء ولم يكن له زاد من الإيمان يثبّته، تجده يضطر بفعل الضغوط الأسرية والحياتية وقلة ذات اليد إلى أن يغمس يده في رجس المال الحرام والعياذ بالله، وقد فعلها ناس حتى إذا ألفوها لم يجدوا بدا من تركها.
وإن الله عز وجل خلق الإنسان وكرّمه، ولكن لما سلّط الفقر عليه ووجده ضعيف الإيمان أذله. إن الفقر لوى أعناق الرجال أيها الناس، والذلة لغير الله تجعل المرء عبدا للناس ويخافهم ويذعن لما يملونه عليه، حتى لو كان في ذلك ارتكاب كبيرة من الكبائر، لذلك تعوّذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفقر والذلة وقرن بينهما في دعائه: (اللهم إني أعوذ بك من القلة والذلة).
الفقر يحرّض على التحلي بأخلاق النفاق والمنافقين، فالفقر يدفع إلى طلب الدين، فإذا عُدم المدين القدرة على السداد والأداء صار يعِد ويكذب، ويعاهد ويخلف، وهي من صفات النفاق، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث البخاري: (إن الرجل إذا غرم حدّث فكذب ووعد فأخلف).
الفقر يجبر الناس على التخلي عن كثير من الأخلاق الحميدة، مثل الكرم للضيوف والأصحاب، والصدقة والتكافل الاجتماعي، وصلة الأرحام، والحب والتوادد بين الناس، والتعفف والحياة، ويضطر الناس إلى التسول وما يجره ذلك من مفاسد وخيمة، كنبذ العمل لدى الكبار، ونبذ التعلّم لدى الصغار، من أجل جمع السنتيم والدينار. وللفقر آثار عظيمة السوء، خطيرة النتائج، ومن بين هذه الأخطار، أثره على العلم والفكر، فطلب العلم ونشره وتوفير مؤسساته ومتطلباته يحتاج إلى الدعم المادي، وفقدان السند المالي يؤدي إلى عدم توفر الإمكانات المعينة على طلب العلم ونشره، فيجهل الناس، ويضيع العلم، ويؤدي اضطرار الناس إلى العمل كبارا وصغارا إلى العزوف عن طلب العلم فتتفشى الأمية. ويظهر هذا جليا في تأخر الأمة علميا وثقافيا، لأنهم قد شغلوا بطلب الرزق عن كسب العلم والثقافة والفكر، وحتى إن طلب أبناء الأمة العلم في ظل مؤسسات لا توفر أبسط الإمكانات والظروف المناسبة، فإن طلبهم للعلم وتلقيهم له يكون ضعيفا لا يغني عن جهل، ولا يبصّر من عمى ويؤدي إلى تسربهم. كما أن التفكير والقدرة على الابتكار ونفع الأمة يعوقه كثيرا ما يلاقيه أصحابه من ضيق في مجال الحياة المعيشية.
روي عن الإمام محمد بن الحسن الشيباني صاحب الإمام أبي حنيفة: أن الجارية أخبرته يوما في مجلسه أن الدقيق قد نفد، فقال لها: لقد أضعت من رأسي أربعين مسألة من مسائل الفقه. ويروى عن الإمام أبي حنيفة قوله: لا تستشر من ليس في بيته دقيق، لأنه مشتت الفكر مشغول البال فلا يكون حكمه سديدا.
إذا قلّ مال المرء قل بهاؤه
وضاقت عليه أرضه وسماؤه
وأصبح لا يدري وإن كان
داريا، قدامه خير له أم وراؤه
وقديما رأى شاعر أن الملك يقوم على العلم والمال وأن كلا منهما يحتاج للآخر فقال:
بالعلم والمال يبني الناس ملكهم
لم يُبن ملك على جهل وإقلال
وقد قيل في الأمثال: أعطني خبزا أعطك شعبا مثقفا.
*إمام مسجد مالك بن أنس/ باش جراح
avatar
سطوف عبد الباسط
رئيس الجمعية
رئيس الجمعية

ذكر عدد الرسائل : 112
العمر : 31
الحي : حي 18 مسكن
العمل : طالب سنة ثانية تجارة نظام LMD
المزاج : خجول
تاريخ التسجيل : 12/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://algeria.hooxs.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى